محمد بن وليد الطرطوشي
314
سراج الملوك
مجالس العوام ، فألحقه بعالم الخنافس « 1 » ، فإنه يعجبه أكل العذرات ، ويألف روائح النجاسات ، ولا تراه إلا ملابسا للأخلية والمراحيض ، وينفر من روائح المسك والورد ، وإذا طرح عليه المسك والورد مات . وإذا رأيت إنسانا إنّما دأبه حفظ الدنيا ، لا يستحى في الوثوب عليها ، فألحقه بعالم الأحدية « 2 » ، بأن تنحّى رجلك عنه . وإذا بليت بالرجل تظهر عليه الدّيانة والسّكينة ، وقد نصب أشراكه لاقتناص الدنيا ، وأكل أموال الودائع والأمانات ، والأرامل واليتامى ، فألحقه بعالم الذّئاب ، وهو كما قال فيه القائل : ذئب تراه مصلّيا * فإذا مررت به ركع يدعو وجلّ دعائه * ما للفريسة لا تقع عجّل بها يا ذا العلا * إن الفؤاد قد انصدع احترز منه كما تحترز من الذئب . وإذا بليت بصحبة إنسان كذاب ، فاعلم أنّ الإنسان الكذاب كالميّت في الحكم ، لأنه لا يقبل له خبر كما لا خبر للميّت ، وكما لا تصحب الموتى لا تصحب الكذّاب ، وقيل في المثل : ( كل شيء شيء وصحبة الكذاب لا شيء ) ويجوز أن يلحق بعالم النّعام ، فإنّه يدفن جميع بيضه تحت الرّمل ثم يترك واحدة على وجه الرمل ، وأخرى تحت طاقة من الرمل ، وسائر بيضه في قعر الحفرة ، فإذا رآه الغرّ « 3 » يأخذ تلك البيضة وينصرف ، أو يكشف عن وجه الرمل فيجد الأخرى ، فيظنّ أنه ليس ثمّ شيء آخر ، والخبير بحالة النعام إذا رأى البيضة لا يزال يحفر حتى يصل إلى حاجته ، ولا يغتر بتلك البيضة ، كذلك الكذاب إذا سمعت منه خبرا لا تصدّقه حتى تبلغ الغاية في الكشف عنه . وإذا رأيت الرجل إنّما دأبه يصنع نفسه ، كما تصنع العروس لبعلها ، يبيّض ثيابه ويعدّل عمامته ، ويتقى أن يمسّه شيء غيره ، وينظر في عطفيه « 4 »
--> ( 1 ) الخنفساءة : دويبة سوداء أصغر من الجعل كريهة الرائحة . ( 2 ) مفردها حدأة وهي الطائر الذي يصطاد الجرذات . ( 3 ) الغرّ : الجاهل . ( 4 ) عطفيه : جانبيه .